أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

129

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

و ( غوته ) وغابت عنّي أكثرها ، إذ مرّ عليها زمنٌ طويلٌ قارب الأربعين عاماً ، ولأنّها كلماتٌ كانت في حينها يصعب علينا نطقها وتلفّظها ، كانت غريبةً علينا جدّاً ولم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا الدراسيّة ، ولم نقرأ فيها إلّا ( إديسون ) و ( نيوتن ) وغيرهما ممّن درسنا عنهم وعن اكتشافاتهم واختراعاتهم . لقد كان يهيم في حديثه ويسبح في بحرٍ من الخيال والتسامي أو يغوص في بحرٍ لجّيٍّ يلتقط منه العبارات والمعاني والأفكار . لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرّر انضمامنا إلى مجموعته التي أطلق عليها اسم ( الحوزة ) وكلّنا نرغب رغبة ملحّة في أن نفهم ما يتحدّث به ، ونحن لا ندري هل أنّ هؤلاء الصبية والأطفال المحيطين به يعون ويدركون ما يتحدّث به إليهم ويتفهّمون ذلك ؟ وهو ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزوّد من معارفه آنذاك ، والتي كنّا نراها أشياء جديدة علينا ، ولكنّ فيها متعةً ولذّةً وإن لم ندرك أكثرها ، وكنّا نستزيده فيزيد ، ونطلب منه أن يعيد علينا ما حدّثنا به قبل يوم فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذراً أو يقابلنا برفض ، فقد كان همّه كلّ همه أن نفهم وأن نعي ما يحدّثنا وكأنّه نذر ساعات لعبه ولهوه - وهو بهذا السنّ - ليكون معلّماً ومفقّهاً . واصلنا حضورنا حوزته هذه حتّى كانت نهاية العام ، وبدأت العطلة فافترقنا حيث التحقنا نحن في المدرسة المتوسّطة وبقي هو في مدرسته قليلًا حتّى علمنا أنّه تركها لينصرف إلى الدرس . كانت أياماً مضيئةً وجميلة ، وكانت حُلماً حلواً مؤنساً أخذنا فيها عنه أشياء كثيرة ساعدتنا على أن نفهم ما نقرأ من كتب غير كتبنا المدرسيّة ، كتبٍ كان يزوّدنا بها هو أحياناً كلّما التقى واحداً منّا ، وقليلًا ما كنّا نلتقيه إلّا في داره حيث كنّا نجده مكبّاً على قراءة كتبٍ لا نعرف حتّى أسماءها ، وكتبٍ كنّا نقتنيها من المكتبات أو نستعيرها من الأصدقاء زملاء المدرسة أو من المكتبات العامّة بإشارةٍ وتوجيه منه . وكنّا نهتمُّ بكلِّ كتابٍ ينصحنا بقراءته ، وإن غمض علينا شيءٌ منه كان يعيننا على فهمه بكل سرور ورحابة صدر وهو ممتنٌّ غيرُ مانٍّ . كانت لنا معه أيّامٌ حلوةٌ سعيدةٌ عادت علينا بعد ذلك بمرارةٍ لا نتجرّعها ولا نتحمّل مرارتها ، فقد رحل عنّا شهيدنا ، اغتالته فئةٌ ضالّةٌ باغيةٌ وتركنا إلى حيث يرتع في نعيم دائم وسعادة أبديّة ، وبقينا بعده غرقى في شقاءٍ ما مثله شقاء ، وحياةٍ مليئة بالقسوة والظلم والإرهاب ، وصارت سنواتُ تلك الطفولة البريئة المرحة أيّاماً قاسية ، إلّا أنّه ترك فينا وعياً ومعرفة أعانتنا على أن نزيدها ونبلغ بها حدّاً نتفهّم فيه كلّ شيء في الحياة . تلك كانت أيّام طفولتنا وصبانا مع ذلك المعلّم - الصدر - الملئ بالعلم وهو طفل ، وقد تغذّينا في حوزته ونحن أطفال » « 1 » . والسيّد الصدر وإن التحق بمدرسة ( منتدى النشر الابتدائيّة ) ، إلا أنّه كثيراً ما كان يغيب عن أنظار معلّميه ورفاقه الطلّاب ، وهذا ما كان يثير لديهم الدهشة والاستغراب لأنّه عرف مجدّاً دؤوباً على المطالعة مع نجاحه الباهر ، فهو لا يعتذر عن حضور الامتحان أبداً ويحوز على أعلى الدرجات دائماً . كان خافياً على الجميع ما يدور في ذهن هذا العبقري وما يخطّطه للمستقبل ، بيد أنّهم عرفوا

--> ( 1 ) مقدّمة مباحث الأصول 33 - 37 .